محمد العربي الخطابي

438

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

الحمّام حتى يعرق ، قال جالينوس : « ربما حمل المريض على الأيدي للحمّام وخرج على رجليه صحيحا » ، ومن ذلك الكيّ البعري ذكره القدماء فاعتنيت به وجرى لي فيه حكاية يجب أن أذكرها : دعيت لرجل صفّار يصنع البرم ويعرف بالشرّاط فألفيته يتهادى بين رجلين ولا يكاد يعقل معقولا فإذا وصلا به إلى طاق كبيرة كانت في البيت رمى بنفسه عليها بأشدّ ما يقدر عليه فيحبس ويعنّف ويزجر ويقول : دعوني أتخلّص ، فأحضرت في الحين البعر اليابس وأشعلته نارا وجعلت صوفة منقعة في الزيت في النّقرة التي في أصل الإبهام والوتر في رأس القصبة العليا من اليد ، ولما كان وجع هذا الرجل في الوركين معا جعلت ذلك في اليدين معا وجعلت البعر مشتعلة نارا في الصوفة المنقعة في الزيت ، كلّما طفئت واحدة جعلت أخرى ، فو اللّه ما برحت حتّى قام يمشى على رجليه وقد كانت له أيام لا يقوم فيها إلا على أيدي الحابسين له ، وأقرّ بسكون الوجع السكون التامّ وخرج في اليوم الثاني لصناعته . وأما النّقرس فهو من الأوجاع العظيمة المبرحة المزمنة ، فمما يسكّن الأوجاع فيها سكونا تاما [ ضماد ] « 45 » السورنجان ، يدقّ إن كان يابسا ويعجن بالماء ويضمّد به ، وإن كان أخضر فهو يغني عن الماء ، وربّما بقي [ النّقرس ] أعواما حتى تتحجّر المادة في الأصابع ويكون فيها كالحجارة . ولجالينوس في ذلك ضماد صنعه بالجبن العتيق وطبيخ ساق الخنزير وتعجّب من فعله وما ظهر من النّجح فيه ، مع أنّ العليل سيق في محفّة فمشى على أقدامه ، فاعتنيت بالدواء ودعاني رجل من قوّاد الدولة المولوية اليوسفية يعرف بالعليقي فألفيت أصابعه قد حدث فيها عقد كالحمّص وكالبندق شديدة الصلابة ، وهي من الأوجاع المبرحة فوق ما يحمله صبره ، فجعلت عليه بعض الأدوية المسكّنة للأوجاع وأمرته بطبخ أكارع البقر وأن يحضر الجبن العتيق بعد ذلك اليوم ففعل ، ودققت الجبن على رخامة وسحقته سحقا بليغا كالدماغ وضمّدته به وسقيته مرق الأكارع ، وفي اليوم الثاني ألفيت تلك العقد قد انفقأت وهي تفور بماء أبيض كماء العجين وفيه أمثال العدس والقمح والذرة في لون الحمّص وقوامه وصلابته حتى امتلأ من ذلك وعاء يملأ الكفّ ، وعاد الرجل إلى عقله وأقرّ للدواء بفضله وبرئ وجرى على ولده وأهله وتصرّف بعد في خدمته بقيّة مدّته .

--> ( 45 ) كلمة ساقطة في أ .